المسرح المدرسي تربية وهوية

المسرح

بقلم عبد الرزاق بن شريج


المسرح المدرسي فضاء للتعلم والتعبير

لا يعتبر المسرح المدرسي مجرد نشاط ترفيهي يقدم في المناسبات المدرسية، بل يمكن أن يكون مجالا تربويا يشارك في بناء شخصية الناشئة وتنمية قدراتهم على التعبير والتواصل والتعاون وتحمل المسؤولية،

فالمسرح يجمع بين الكلمة والحركة والصوت والتفاعل، ويضع المتعلم في مواقف حية تجعله يمارس ما يتعلمه بدل أن يظل متلقيا له.
وتزداد قيمة المسرح المدرسي حين ينظر إليه باعتباره جزءا من العملية التربوية، لا نشاطا منفصلا عنها. فالمتعلم الذي يشارك في إعداد عمل مسرحي يتعلم كيف يصغي إلى غيره، وكيف يحترم دوره ودور زملائه، وكيف يلتزم بعمل جماعي، وكيف يعبر عن فكرة أو موقف أمام الآخرين، كما أن العمل المسرحي يتيح له فرصة التعامل مع اللغة بصورة عملية، ويمنحه مجالا لتطوير قدرته على التواصل والتعبير والثقة بالنفس.

التعلم بالملاحظة وأهمية النماذج
قدم علم النفس الاجتماعي عددا من المداخل التي تساعد على فهم بعض هذه الجوانب. ومن بينها نظرية التعلم الاجتماعي التي ارتبطت بأعمال ألبرت باندورا، والتي أبرزت أهمية التعلم من خلال ملاحظة الآخرين والنماذج السلوكية الموجودة في البيئة. يقول باندورا في كتابه
"Social Learning Theory" : (Learning would be exceedingly laborious, not to mention hazardous, if people had to rely solely on the effects of their own actions to inform them what to do)
أي إن التعلم سيكون شاقا للغاية، بل محفوفا بالمخاطر، لو كان الإنسان مضطرا إلى الاعتماد فقط على نتائج أفعاله الخاصة ليعرف ما ينبغي عليه فعله.
ومن هذه الفكرة يمكن فهم جانب من القيمة التربوية للمسرح، فالناشئ يشاهد نماذج ومواقف وشخصيات، ويتفاعل معها، وقد يؤدي بنفسه أدوارا مختلفة، مما يجعل المسرح فضاء للملاحظة والممارسة والتفاعل، غير أن القيمة التربوية هنا لا تكمن في مجرد عرض السلوكيات، وإنما في طريقة اختيارها وتقديمها ومناقشتها داخل السياق المدرسي.

المسرح والتفاعل والعمل الجماعي
ولا تقتصر أهمية المسرح على التعلم بالملاحظة، فطبيعته الجماعية تجعله مجالا لممارسة العلاقات الاجتماعية، فالعمل المسرحي يحتاج إلى التعاون بين المشاركين، وإلى توزيع المسؤوليات، واحترام الوقت، والإنصات، والتنسيق، وهذه الممارسات تمنح المتعلم فرصة للتدرب على مهارات لا تكتسب دائما من خلال المعرفة النظرية وحدها.
وفي هذا السياق، يؤكد هنري تاجفيل في مقاله: "Individuals and Groups in Social Psychology"
أهمية النظر إلى السلوك الاجتماعي في سياقه، ويقول:
(research in social psychology needs to take into account the social context of social behaviour). ويمكن الاستفادة من هذه الفكرة في المجال التربوي لفهم أهمية البيئة الجماعية التي يمارس فيها المتعلم نشاطه، ومن بينها النشاط المسرحي.
فالمسرح المدرسي لا يجمع المتعلمين من أجل تقديم عرض فحسب، بل يمكن أن يجعلهم يعيشون تجربة جماعية لها أهداف مشتركة. ومن خلال هذه التجربة يتعلم المتعلم أن نجاح العمل لا يتوقف على الفرد وحده، وإنما يحتاج إلى مساهمة الآخرين. وقد يكون لهذا الجانب أهمية خاصة في التربية على التعاون والمسؤولية واحترام الأدوار.

المسرح وتنمية التعبير والتواصل
كما يتيح المسرح للناشئة فرصة التعبير عن المواقف والمشاعر والتجارب من خلال شخصيات مختلفة، فعندما يؤدي المتعلم دور شخصية معينة، فإنه يحاول فهم موقفها ودوافعها وطريقة تعبيرها، ثم تقديمها أمام الآخرين، وهذا لا يعني أن كل تجربة مسرحية تؤدي بالضرورة إلى تنمية التعاطف أو تغيير شخصية المتعلم، لكنه يعني أن المسرح يوفر مواقف يمكن استثمارها تربويا في تدريب الناشئة على فهم وجهات النظر المختلفة والتفاعل معها.
وتؤيد بعض البحوث التطبيقية إمكانية توظيف الدراما في تنمية جوانب مختلفة من التعلم، وقد خلصت مراجعة منهجية، مصحوبة بما يعرف في البحث العلمي بالتحليل التلوي، (نشر سنة 2023) حول "مسرح القارئ" إلى وجود نتائج إيجابية مرتبطة بتنمية مهارات القراءة لدى الأطفال في الدراسات التي تناولتها، كما أظهرت دراسات أخرى إمكان استخدام الدراما الإبداعية في دعم بعض الجوانب الاجتماعية والانفعالية لدى الأطفال، مع اختلاف النتائج باختلاف طبيعة البرامج والفئات والسياقات.
وهذا يفتح أمام المسرح المدرسي مجالات واسعة للتوظيف التربوي، فقد يستخدم في تنمية القراءة والتعبير الشفهي، وفي تدريب المتعلم على الحوار، وفي تنمية مهارات العمل الجماعي، وفي معالجة بعض الموضوعات الاجتماعية بطريقة تجعل المتعلم مشاركا في التعلم، لا مجرد مستمع إليه.

المسرح المدرسي والمرحلة العمرية
غير أن المسرح المدرسي يتميز عن المسرح الموجه إلى الجمهور العام بخصوصية الفئة التي يستهدفها وبالوظيفة التربوية للمؤسسة التي تحتضنه، فالطفل والناشئ في المدرسة يوجد في مرحلة من مراحل النمو والتكوين، ولذلك فإن ما يقدم له لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مادة فنية منفصلة عن السياق التربوي.
ومن هنا تبرز أهمية اختيار المضامين المسرحية بعناية، فالنشاط المسرحي المدرسي، شأنه شأن غيره من الأنشطة التعليمية، ينبغي أن يراعي سن المتعلمين وخصائصهم النمائية، وأن يرتبط بالأهداف التربوية للمؤسسة، وأن ينسجم مع البيئة الاجتماعية والثقافية التي تتم فيها العملية التعليمية.

المسرح المدرسي وهوية المجتمع
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بالقيم والمرجعيات التي تقوم عليها حياة المجتمع، فكل مجتمع له منظومة من القيم والتقاليد والعناصر الثقافية والدينية التي تشكل جزءا من هويته، والمدرسة تعمل داخل هذا المجتمع وليست مؤسسة منفصلة عنه، ولذلك فإن المسرح المدرسي ينبغي أن يراعي هذه المقومات، وأن يتجنب تقديم ما يتعارض معها بصورة لا تنسجم مع وظيفته التربوية.
ولا يعني ذلك أن المسرح المدرسي ينبغي أن يكون منغلقا على نفسه أو أن يمتنع عن تناول القضايا المختلفة، فالتربية على الحوار والانفتاح وفهم الآخر يمكن أن تكون جزءا من العمل المسرحي، كما يمكن للناشئ أن يتعرف من خلال المسرح على تجارب وثقافات وأفكار متعددة، لكن الانفتاح التربوي لا يعني غياب المعايير، كما أن الحفاظ على الهوية لا يعني رفض الاختلاف أو إلغاء التفكير.

اختيار المضامين مسؤولية تربوية
إن المسألة الأساسية هي السياق الذي يقدم فيه المحتوى والطريقة التي يعالج بها، فقد يعرض موضوع معين بهدف النقد أو النقاش أو تنمية التفكير، وقد يعرض بالطريقة نفسها باعتباره نموذجا للسلوك والاقتداء، ولذلك فإن المسؤولية التربوية تقتضي أن يميز القائمون على المسرح المدرسي بين مجرد تقديم فكرة للنقاش وبين تقديمها في صورة قد تجعلها نموذجا موجها للناشئة.
ومن هنا يصبح اختيار النص المسرحي قرارا تربويا إلى جانب كونه قرارا فنيا، فالمدرسة مطالبة بأن تسأل عن القيمة التعليمية للنص، ومدى ملاءمته للمرحلة العمرية، وطبيعة الرسائل التي يحملها، وطريقة تقديمها، ومدى انسجامها مع أهداف التربية ومع هوية المجتمع وقيمه وثقافته ومرجعياته الدينية.
ولا ينبغي أن يتحول هذا الحرص إلى إصدار أحكام مسبقة على أعمال أو أفكار بعينها، لأن القيمة التربوية للعمل لا تتحدد دائما بعنوانه أو موضوعه المجرد، وإنما تتأثر بطريقة تقديمه وبالسياق الذي يوضع فيه وبالهدف الذي يراد تحقيقه من خلاله.

الانفتاح مع الحفاظ على الهوية
يمكن للمسرح المدرسي أن يعرف المتعلم بعوالم وتجارب وثقافات مختلفة دون أن يعني ذلك التخلي عن ثقافته الخاصة،
بل يمكن أن يكون التعرف إلى الآخر فرصة لفهم الذات أيضا، إذا قدم ضمن إطار تربوي يساعد المتعلم على المقارنة والتحليل والنقاش.
ولهذا فإن الانفتاح التربوي ينبغي أن يكون واعيا بالسياق، كما أن الحفاظ على الهوية ينبغي أن يكون متوافقا مع التفكير والحوار، فالمطلوب ليس الاختيار بين الانغلاق والانفتاح، وإنما بناء علاقة متوازنة بين الانتماء والانفتاح على العالم.

من العرض المسرحي إلى التجربة التربوية
تتجلى قيمة المسرح المدرسي بصورة أوضح عندما لا ينظر إلى العرض النهائي باعتباره الغاية الوحيدة، بل باعتباره ثمرة تجربة تربوية يشارك فيها المتعلم بفاعلية. فالمسرح يتيح له أن يتعلم من خلال الممارسة والتفاعل، وأن يحول ما يتلقاه من معارف وقيم إلى خبرة حية داخل جماعة.
وعندما يرتبط النشاط المسرحي بأهداف تربوية واضحة، يصبح وسيلة تجمع بين التعلم والتعبير والتفاعل، وتمنح المتعلم فرصة لاكتساب الخبرة من خلال المشاركة الفعلية، لا من خلال التلقي وحده.
وهكذا لا تكون قيمة المسرح المدرسي في لحظة العرض وحدها، وإنما في مجموع الخبرات التي يعيشها المتعلم منذ اختيار العمل وإعداده إلى تقديمه وتقويمه.

نحو مسرح مدرسي يربي ويبدع
إن المسرح المدرسي الناجح هو الذي يحقق توازنا بين الوظيفة الفنية والوظيفة التربوية، فهو يتيح للناشئ التعبير والإبداع والخيال، ولكنه في الوقت نفسه يعلمه الانضباط والمسؤولية واحترام الآخر، وهو يفتح المجال أمام الحوار، ولكنه لا يتجاهل المرجعيات التي تقوم عليها تربية المتعلم، وهو يعرفه بالعالم من حوله، ولكنه لا يطلب منه أن يتخلى عن ثقافته وهويته حتى يكون منفتحا.
كما أن القيمة الحقيقية للمسرح المدرسي لا ينبغي أن تقاس بالعرض النهائي وحده، فالمراحل التي تسبق العرض قد تكون أكثر أهمية تربويا:
قراءة النص، فهم الشخصيات، مناقشة المواقف، توزيع الأدوار، التدريب، التعاون، مواجهة الجمهور، تقويم الأداء، ثم مراجعة التجربة. ففي هذه المراحل تتشكل خبرة تعليمية متكاملة يمكن أن يستفيد منها المتعلم في جوانب متعددة.

خاتمة
يمكن للمسرح المدرسي أن يكون وسيلة لتربية المتعلم على التعبير دون فوضى، وعلى التعاون دون إلغاء الفرد، وعلى الحوار دون فقدان المرجعية، وعلى الانفتاح دون التخلي عن الهوية.
إن المدرسة لا تقدم للناشئة المعرفة فقط، وإنما تسهم في إعدادهم للحياة داخل مجتمعهم، ولذلك فإن المسرح المدرسي، حين يوظف بوعي تربوي، يمكن أن يجمع بين تنمية القدرات الفنية والشخصية والاجتماعية وبين ترسيخ الصلة بالثقافة والقيم التي ينتمي إليها المتعلم.
ومن ثم فإن المطلوب ليس مسرحا مدرسيا مغلقا عن العالم، ولا مسرحا منفصلا عن هوية المجتمع، وإنما مسرحا تربويا واعيا: يوسع خيال الناشئة دون أن يقتلعهم من بيئتهم، ويدربهم على الحوار دون أن يلغي مرجعياتهم، ويفتح أمامهم آفاق المعرفة دون أن يحول الانفتاح إلى انفصال عن الذات.
وبهذا المعنى يصبح المسرح المدرسي أكثر من عرض فني؛ يصبح تجربة تربوية تساعد الناشئة على أن يتعلموا، ويتواصلوا، ويتعاونوا، ويعبروا عن ذواتهم، وأن ينفتحوا على العالم وهم أكثر وعيا بذواتهم ومجتمعهم وهويتهم.