لم يكن سعيد يحب العمل في المقاهي، لكنه مع مرور الأيام أصبح يعرف هذا المقهى أكثر مما يعرف غرفة الجلوس في بيته، النادل لم يعد يسأله ماذا سيشرب، فقد حفظ الطلب عن ظهر قلب،
كما حفظ الزاوية التي يجلس فيها، والوقت الذي يفتح فيه حاسوبه، وحتى تلك النظرة التي تسبق أول رشفة قهوة، عندما يستعد لمعركة جديدة مع الوثائق.
في ذلك الصباح، جلس كعادته، وضع الحاسوب أمامه، وقال بثقة لا يملك الباحث سلاحًا غيرها:
"اليوم... سأجدها."
لم يكن يبحث عن كنز، ولا عن مخطوطة نادرة، بل عن معلومة يفترض أنها منشورة في الجريدة الرسمية المغربية، معلومة واحدة فقط، لكنها كانت تتصرف كأنها تعرف أنه يبحث عنها.
كان يحتاج إلى مرسوم، أو ظهير، أو على الأقل رقم الجريدة الرسمية التي احتضنت النص لأول مرة، لكن الوثائق التي بين يديه كانت كريمة في كل شيء... إلا في المعلومة التي يريدها، تذكر الأحداث، وتشرح السياقات، وتناقش النتائج، لكنها تتعامل مع المصدر الأصلي كما لو أنه سر عسكري.
فتح موقع الأمانة العامة للحكومة.
بدأ يعد الجرائد الرسمية الصادرة بين 1955 و1984.
كلما تقدم في العد، شعر أنه لا يبحث في أرشيف دولة، بل يمشي في صحراء من الورق، أكثر من ألف وخمسمائة عدد، وكل عدد يعده بأنه قد يكون الأخير، ثم يسلمه إلى الذي يليه.
قال في نفسه:
"لا بأس... نحن في زمن الذكاء الاصطناعي."
استعان به.
أجابه بثقة العالم الذي لا يخطئ، منحه أرقاما، وتواريخ، وأسماء مراسيم، وروابط منسقة بعناية، ولما تحقق منها، اكتشف أنها لم تكن سوى قصص قصيرة كتبها الذكاء الاصطناعي لنفسه، وأراد أن يجعل سعيد أحد أبطالها.
ابتسم بمرارة.
اكتشف أن الثقة ليست دليلًا على الحقيقة، وأن بعض الخوارزميات تؤلف التاريخ بالطلاقة نفسها التي تؤلف بها القصائد،
لم يستسلم، عاد إلى الطريقة القديمة.
عشرة أيام وهو يقلب الجرائد الرسمية صفحة صفحة، ويقرأ حروفًا بهت حبرها قبل أن يولد هو نفسه، وحين استعصت عليه بعض الكلمات، لجأ إلى النسخة الفرنسية، ظانًا أنه وجد باب النجاة، لكن الباب فتح على متاهة أخرى.
صار يترجم الفرنسية ليفهم العربية، ثم يعود إلى العربية ليتأكد من الفرنسية، حتى لم يعد يدري أي النصين يشرح الآخر، وفي مساء اليوم العاشر، أغلق الحاسوب، لم يغلقه لأنه وجد ضالته، بل لأنه تعب، ظل ساكنا لحظات، ويداه فوق لوحة المفاتيح،
تم رفع رأسه ببطء، وكأنه خرج لتوه من نفق طويل، لأول مرة منذ عشرة أيام، اكتشف أن المقهى لم يكن هادئا كما كان يظن، الهدوء وحده كان داخل رأسه، أما هنا فكانت الحياة تجري منذ الصباح دون أن تستأذن أحدا، نظر حوله، الوجوه نفسها التي كان يمر عليها كل يوم، دون أن يحفظ منها وجهًا واحدًا، أصبحت فجأة أشخاصا من لحم ودم، لكل واحد منهم قصة، وهمّ، وطريقة خاصة في اقتحام حياة الآخرين، ابتسم في نفسه.
كان قد قضى الأيام الماضية يفتش بين الجرائد الرسمية عن أثر لمفتش تربوي، فإذا به يجد نفسه، من غير قصد، يفتش في أحوال الناس.
في الطاولة المجاورة، كان أحمد قد أنهى رشفة قهوته، وأخرج هاتفه، لم تمض ثوانٍ حتى امتلأ المقهى بصورة زوجته وأطفاله عبر مكالمة فيديو، لم يكن أحمد يتحدث مع أسرته فقط، بل كان يتحدث مع المقهى كله.
عرف سعيد، في أقل من خمس دقائق، أن خديجة حضرت عرسًا مع الأبناء، وأن الطعام كان باردًا وأقل من مستوى التوقعات، وأن أم بديعة سلمت عليه، وأن الخالة تنتظر زيارة المحجوب، وأن باب المطبخ ما زال في حاجة إلى إصلاح، وأن الجارة أرسلت لهم كسكس الجمعة، وحين علت أصوات الأطفال في الجهة الأخرى من الشاشة، ارتفع صوت خديجة، فارتفع صوت أحمد، وكأن جودة الاتصال تقاس بعلو الحنجرة.
لم يغضب سعيد.
بل راح يتأمل المشهد كما يتأمل الباحث وثيقة جديدة، قال في نفسه:
"غريب... قضيت عشرة أيام أبحث عن وثيقة عمرها نصف قرن، بينما هذا الرجل يوزع وثائق حياته اليومية على كل من يشرب قهوته هنا."
انتهت المكالمة، وغادر أحمد، تاركا خلفه صمتا قصيرا، شعر معه رواد المقهى أنهم استعادوا ملكية آذانهم، ولم يكد الصمت يستقر حتى دخل رجل في منتصف العمر، يرتدي بدلة أنيقة، وربطة عنق متناسقة، وحذاءً يلمع بعناية. كان حضوره يوحي بانضباط رجل لا يترك شيئا للصدفة.
قال سعيد في نفسه: "لعل هذا الرجل جاء ليعيد للمقهى هيبته."
جلس الرجل بهدوء، أخرج هاتفه، ضغط زر الاتصال، وفي أقل من عشر ثوان، اكتشف سعيد أن الأناقة كانت تُقيم في الثياب... أما الصوت فكان يسكن مكانا آخر.
"افتح الباب !"
"قلت لك الباب الخارجي !"
"المفتاح... على يسار الباب !"
"لا... اليسار الآخر !"
راح الرجل يوجه تعليماته لشاب في الطرف الآخر من المكالمة، خطوة بخطوة، كأنه يقود عملية عسكرية لا بحثًا عن أوراق سيارة، لم يترك له فرصة ليفكر، ولا مهلة ليسأل، ولا حتى مساحة ليخطئ ويتعلم.
كان صوته يعلو كلما عجز الشاب عن تنفيذ التعليمات، حتى بدا لسعيد أن ربطة العنق وحدها هي الشيء الوحيد الذي بقي محافظا على هدوئه، ابتسم سعيد.
وأدرك أن الثياب تستطيع أن ترتب المظهر، لكنها لا تستطيع أن ترتب السلوك.
+++
استند سعيد إلى ظهر الكرسي، وأخذ رشفة باردة من فنجان القهوة الذي نسيه منذ ساعات، فابتسم.
لم يكن يظن أن إغلاق الحاسوب سيكشف له أرشيفًا آخر، أكثر ازدحاما من أرشيف الجريدة الرسمية، قال في نفسه:
"يبدو أن البشر لا يخفون أسرارهم... بل يختلفون فقط في مستوى الصوت الذي يعلنون به عنها."
ألقى نظرة سريعة على المقهى.
شاب يتحدث مع صديقه في الهاتف عن قيمة راتبه، وكأنه يقدم كشف حساب لمصلحة الضرائب، ورجل آخر يطمئن زبونًا أن البضاعة وصلت، ثم يهمس له باسم المنافس... بالعلو نفسه الذي يتحدث به في بقية المكالمة.
وطالب يشرح لزميله، بصوت يسمعه نصف المقهى، كيف أقنع أستاذه بتأجيل موعد تسليم البحث.
هز سعيد رأسه، لم يعد المقهى مكانا لشرب القهوة، أصبح قاعة انتظار كبيرة، يتقاسم فيها الغرباء تفاصيل حياة لا تخصهم.
ابتسم ساخرا وهو يتذكر أن البيوت كانت تُبنى قديما بجدران سميكة لتحفظ الأسرار، أما اليوم فقد تكفلت الهواتف الذكية بهدم تلك الجدران، وأصبح الناس يحملون غرف جلوسهم في جيوبهم، وما إن يجلسوا في مكان عام حتى يفتحوا أبواب بيوتهم للجميع.
ولأول مرة، خطر له سؤال لم يجده في أي مرسوم، ولا في أي جريدة رسمية:
متى أصبحت الخصوصية عبئا يحاول الناس التخلص منه؟
كان يراقب الوجوه أكثر مما يسمع الكلمات، فلاحظ أن أحدا لم يكن منزعجا، النادل يواصل عمله، الزبائن يحتسون قهوتهم، حتى الذين يتبادلون النظرات الساخرة، سرعان ما يعود كل واحد منهم إلى شاشة هاتفه.
ابتسم مرة أخرىن وقال في نفسه:
"عجيب أمر الإنسان... يتذمر من الضجيج، ثم يصبح جزءا منه"، وتذكر فجأة الأيام العشرة الماضية، كان يجلس في المكان نفسه، والأصوات نفسها تملأ المقهى، وأحمد، على الأرجح، أجرى عشرات المكالمات، وصاحب البدلة ربما وزع تعليماته بالطريقة نفسها، لكنه...، لم يسمع شيئا، كان يبحث عن وثيقة واحدة، فألغى عقله كل ما عداها.
واليوم، بعد أن توقفت رحلة البحث، عاد العالم إلى الظهور، بكل ضجيجه، وتناقضاته، ومفارقاته، أغلق سعيد غطاء الحاسوب برفق، وحمله تحت ذراعه.
ابتسم للنادل، ودفع ثمن القهوة، ثم غادر سعيد المقهى، ظل التفتيش التربوي مختبئا بين الوثائق، أما التفتيش في أحوال الناس فقد كان يجلس، منذ البداية، إلى الطاولة المجاورة.
.عبد الرزاق بن شريج