"الكلب الذي تخرّج من كلية الفلسفة "

القصة

بقلم الطاهر كردلاس

في ظهيرةٍ لم يكن الحرُّ فيها يحتاج إلى دليل، كان الكلب مستلقياً تحت زيتونةٍ عجوز، يفكر في الشيء الوحيد الذي لا ينفع الكلاب: معنى وجودها.


كان قد أمضى سنواته يحرس بيتاً لا يملكه، وينبح على غرباء لا يعرفهم، ويأكل حين يتذكره صاحب البيت أن يأكل. وفجأة اكتشف، كما يحدث للكائنات حين تصيبها جرعةٌ زائدة من الوعي، أن حياته ليست سوى وظيفةٍ طويلة بلا عقد.
قال لنفسه:
— أنا لا أحرس البيت، بل أحرس النظام الذي يجعل البيت بيتاً، والمالك مالكاً، وأنا كلباً.
ومنذ تلك اللحظة لم يعد نباحه نباحاً؛ صار موقفاً فلسفياً.
مرّ الحمار أمامه،
قال له الكلب:
— أيها الرفيق، ألا ترى أن وجودنا موزع بطريقة غير عادلة؟ أنت تحمل، وأنا أحرس، والخروف يأكل، والإنسان يملك... فمن أين جاءت هذه الأشياء كلها وهذه القسمة الضيزى؟
نظر إليه الحمار طويلاً، ثم قال:
— لا أعرف. لكنني أعرف أن ظهري يؤلمني.
ومضى غير آبه...
بقي الكلب يفكر في الجملة. لقد شعر للمرة الأولى أن هناك فرقاً هائلاً بين أن تفهم العالم وأن تعيش فيه.
في اليوم التالي أعلن إضرابه عن النباح.
جلس أمام الباب صامتاً، كأن الصمت اكتشافٌ علمي جديد.
اقترب صاحب البيت، وفي يده قطعة لحم.
قال:
— لماذا لا تنبح؟
أجابه الكلب:
— لأن النباح، في صورته التقليدية، إعادة إنتاج رمزية لعلاقة السيطرة.
حدّق الرجل فيه منزعجا.
— ماذا، مالذي تعنيه؟
— أريد عقداً، وتأميناً، وتقاعداً، وحقاً في تعريف وظيفتي.
سكت الرجل قليلاً، ثم رمى قطعة اللحم في التراب.
نظر إليها الكلب، ثم نظر إلى الرجل.
كانت تلك اللحظة قصيرة، لكنها كانت كافية ليفهم أن الفلسفة حين تدخل في مفاوضة مع الجوع تخسر غالباً من الجولة الأولى.
أمسك الرجل بالحبل وقال:
— يبدو أنك درست كثيراً.
ثم قاده إلى الإسطبل.
هناك، في الظلام، جلس الكلب وحيداً.
فكر في الحرية، فوجد الحبل.
فكر في الكرامة، فتذكر اللحم.
فكر في الإنسان، فاكتشف أنه كان دائماً يملك الحبل.
وفكر في نفسه، فلم يجد إلا كلباً يحاول أن يبرهن لنفسه أنه ليس كلباً.
عند منتصف الليل ظهر فأر قرب الجدار.
لم يفكر الكلب.
لم يتأمل.
لم يستدعِ ماركس ولا سارتر ولا فوكو. ولا فلاسفة الحرية...
قفز قفزة سريعة..
وفي لحظة واحدة كان الفأر بين أسنانه.
ظل واقفاً هناك، مشدوهاً من نفسه.
ثم قال:
— يا إلهي... كل هذه السنوات وأنا أبحث عن حريتي، فإذا بحريتي تبدأ حين أنسى أنني حر!
ثم ألقى الفأر أرضاً، وجلس بجانبه.
ولأول مرة فهم الحقيقة التي لم تعلمه إياها كلية الفلسفة :
ليست المشكلة أن يكون الكائن كلباً؛ المشكلة أن يعرف أنه كلب، ثم يقضي حياته في محاولة إثبات العكس.
وفي الصباح، وجد صاحب البيت الكلب نائماً عند الباب.
فابتسم.
كان قد عاد إلى وظيفته.
أما الكلب، فلم يكن قد عاد إلى شيء.
لقد اكتشف فقط أن بعض الكائنات لا تُسجن بالحبل،
بل بالفكرة التي تجعلها ترى الحبل، دون أن تعرف كيف تعيش خارجه.
2026/8/9