تقديم
شكلت شخصية مبارك البكاي لهبيل (1907–1961)، المعروف بـ "سي البكاي"، إحدى أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ المغرب الحديث، فبين مساره كضابط سابق في الجيش الفرنسي وباشا لمدينة صفرو، ثم كأول رئيس حكومة للمملكة المغربية المستقلة (1955–1958)،
تتنازع تاريخَه قراءتان متوازيتان: قراءة تراه معماراً جسوراً هندس انتقال البلاد من ربقة الحماية إلى بوابات السيادة الوطنية، وأخرى تعتبره صمام أمان تُحرك بفضله التوازنات المحافظة لكبح المد الثوري والحد من التأسيس لديمقراطية حزبية كاملة الأركان.
من ساحات المعارك إلى رفض الانقلاب: تشكل رجل الدولة
ولد مبارك البكاي عام 1907 بمدينة بركان وينتمي لقبائل بني يزناسن ، تخرج من المدرسة العسكرية بدار البيضاء (الأكاديمية العسكرية بمكناس حالياً) برتبة ملازم، وشارك في الحرب العالمية الثانية ضمن صفوف الجيش الفرنسي حيث تعرض لإصابة بالغة في معركة "فاندريس" (Vendresse) سنة 1940 أسفرت عن بتر رجله اليمنى
تقلد سنة 1944 منصب باشا مدينة صفرو وظل فيه إلى غاية سنة 1953 ، غير أن المنعطف المفصلي في حياته تمثل في مايو 1953؛ إذ كان البكاي من الباشوات الأربعة القلائل (إلى جانب الفاطمي بنسليمان وأحمد جنان ومحمد الصبيحي) الذين رفضوا التوقيع على عريضة الباشا التهامي الكلاوي والمقيم العام لخلع السلطان سيدي محمد بن يوسف (محمد الخامس)، بل أصدروا إعلاناً يستنكرون فيه المؤامرة ويعلنون ولاءهم التام للعرش ، وعقب النفي القسري للسلطان في 20 أغسطس 1953، أرسل البكاي برقيات استقالته الرسمية من منصب باشا صفرو احتجاجاً على سلطات الحماية الفرنسية، واختار السفر والنفي الإرادي إلى فرنسا، ليتحول هناك إلى فاعل محوري في الاتصالات السرية والعلنية مع القوى الفرنسية والمغربية المطالبة بعودة الملك الشرعي وإنهاء الحماية.
بين مشروعية النضال ورهانات الحكم: التجاذب حول الإرث السياسي
إن الانتقال المفصلي لمبارك البكاي لهبيل من موقع النضال الرمزي واستقالته الشجاعة إبان أزمة النفي (1953)، إلى سدة الصلطة السياسية كرئيس لأول حكومة بعد الاستقلال (1955–1958)، وضع تجربته في قلب الميزان التاريخي، فقد أوجد هذا التموقع فرزاً واضحاً بين أدبيات ترى في صعوده خطوة حاسمة لتأمين الاستقرار وبناء الإدارة، وأخرى تقرأ في هذا الاختيار كبحاً لطموحات القوى الوطنية الشابة، وهو ما جعل حصيلته موضوع انقسام بين قراءتين متباينتين:
أولاً: أطروحة البناء والإنقاذ — مهندس الانتقال السلمي والمؤسساتي
تركز الأدبيات التاريخية ذات الطابع التوثيقي والوطني على الأدوار الحاسمة التي لعبها البكاي في لحظات الفراغ السياسي القاتل.
يبرز عاشور الهبيل في كتابه Si Bekkai, rendez-vous avec l’histoire كيف أحدثت استقالة البكاي شللاً في الرواية الاستعمارية التي حاولت تصوير المؤامرة على السلطان كإجماع من أعيان البلاد، إذ إن صفته كمحارب قديم يحمل وسام "جوقة الشرف" رفيع المستوى جعلت تمور موقفه أشد إرباكاً لسلطات الحماية.
وتوضح نعيمة لهبيل التاجموعتي في كتابها من هو سِّي البكاي ؟ كيف اختير البكاي شخصيةً توافقية لا تنتمي لأي تنظيم حزبي لترؤس الوفد المغربي بمؤتمر "إكس لبان" (Aix-les-Bains) في أغسطس 1955، وتوجت هذه الدينامية بتكليفه بتشكيل أول حكومة مغربية في 7 ديسمبر 1955، وتوقيعه الفعلي على وثائق إلغاء الحماية مع فرنسا في 2 مارس 1956 ثم إسبانيا في 7 أبريل 1956.
ويصف المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان (Charles-André Julien) في كتابه Le Maroc face aux imperialismes (1953/1978) البكاي بأنه كان رجلا اتسم باستقلالية حازمة، واستطاع بفضل ثقة القصر واحترام القوى السياسية أن يمنع انزلاق البلاد نحو مواجهات أهلية مسلحة في لحظة استقلال هش وتجاذبات حادة بين فصائل المقاومة والأحزاب المشكلة حديثاً.
ثانيا" أطروحة النقد السياسي: كبح التغيير وتكريس الاستمرارية
في المقابل، تقدم القراءات السياسية والنقدية المقابلة زاوية تحليل تجعل من تجربة البكاي أداةً لتثبيت نمط حكامة يقيد طموحات الحركة الوطنية الشابة.
يرى القيادي الاتحادي المهدي بن بركة في وثيقته السياسية الخيار الثوري في المغرب أن قيادة أول حكومة من طرف ضابط سابق في الجيش الفرنسي وغير منتم للحركة الوطنية الحزبية، كانت تهدف بالأساس إلى امتصاص الحماس الشعبي وتطويق النفوذ السائد لحزب الاستقلال، مما أبقى الإدارة والعسكر والمالية تحت إشراف وتأثير الكوادر الاستعمارية السابقة.
ويحلل المفكر عبد الله العروي في كتابه "مجمل تاريخ المغرب" هذا العصر باعتباره مرحلة إعادة إنتاج للسلطة التقليدية؛ إذ أتاح اختيار شخصيات مستقلة كالبكاي ولحسن اليوسي للمؤسسة الملكية خلق كتل موازية داخل الدولة، واستخدام مبدأ "التعددية الحكومية" لتركيز القرار السياسي الحقيقي بيد القصر وتحييد اندفاعة الأحزاب الوطنية.
ويوثق إيغناس دال (Ignace Dalle) في كتابه Les trois rois أن محطة السقوط السياسي للحكومة الثانية للبكاي جاءت إثر الصدام حول قانون الحريات العامة وتأسيس حزب "الحركة الشعبية"؛ حيث رفض البكاي خنوع حكومته لضغط وزراء حزب الاستقلال الداعين لمنع التكتلات القروية والمستقلة، مما أدى إلى أزمة سياسية صامتة انتهت بتقديم استقالته في أبريل 1958 ليعقبه أحمد بلافريج.
ميزان التاريخ: بين إكراهات الواقع وطموحات المرحلة
إن قراءة مسار مبارك البكاي لهبيل تقتضي استحضار تعقيدات سياق كان فيه المغرب يخطو خطواته الأولى على أرض ملغومة بالترتيبات الاستعمارية والتجاذبات الحزبية، يظل البكاي بالنسبة لفريق من المؤرخين رجل دولة شجاعا وقت كان فيه الوفاء للعرش يكلف النفي والدمار، ومهندسا نجح في وضع اللبنات الأولى للإدارة المغربية الحديثة بأقل الخسائر التنموية.
بينما يظل في نظر فريق آخر رمزاً للتوافقات المحافظة التي آثرت الاستمرارية الحذرة على حساب إحداث قطع جذري يتيح بناء نظام ديمقراطي حزبي كامل الصلاحيات، ليترك الحكم في النهاية للمؤرخ والقارئ لتحديد وزنه الحقيقي في كتابة التاريخ المغربي المعاصر.
المراجع
1. نعيمة لهبيل التاجموعتي، من هو سِّي البكاي؟ (سلسلة أعلام المغرب)، ترجمة: توفيق سخان، دار مرسم للنشر، الرباط، 2023، (الصفحات: 22–50).
2. عاشور الهبيل (Achour Lahbil)، Si Bekkai, rendez-vous avec l'histoire، إدسيون المدارس/مرسم، 1999، (الصفحات: 15–72).
3. عبد الكريم غلاب، تاريخ الحركة الوطنية المغربية من نهاية الحرب الريفية إلى بناء المغرب الحديث، الجزء الثاني، دار المعارف، المغرب، (الصفحة: 142 وما يليها).
4. عدنان سبتي (Adnan Sebti)، "Au nom du sultan Mbarek Bekkaï"، مجلة التاريخ المغربية Zamane، العدد 26، 2020 (الصفحات: 32–37).
5. عاشور الهبيل Si Bekkai, rendez-vous avec l’histoire ، (1999، ص. 45-62)
6. نعيمة لهبيل التاجموعتي "من هو سِّي البكاي؟" (دار مرسم، 2024، ص. 80-115)
7. شارل أندري جوليان (Charles-André Julien) في كتابه Le Maroc face aux imperialismes (1953/1978).
8. المهدي بن بركة في وثيقته السياسية الخيار الثوري في المغرب (دار الطليعة، 1966، ص. 18-35)
9. عبد الله العروي في كتابه مجمل تاريخ المغرب. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء - بيروت،الطبعة السابعة: 1999). الجزء الثاني (الفصل الثالث عشر: المغرب المعاصر/المغرب المستقل)، وتحديداً في الصفحات 523–528.
10. إيغناس دال (Ignace Dalle) في كتابه Les trois rois (Fayard, 2004, pp. 65-72)
عبد الرزاق بن شريج