هيمنة ثقافة التيك توك وآلية التمرير المستمر (السكرولين Scrolling).

آراء ثقافية

بقلم الباحث التربوي محمد طويل
هيمنة ثقافة التيك توك وآلية السكرولين حوّلت الكثيرين من الناس إلى مستهلكين نهمين لكل شيء دون تمييز. قد يعتقد الإنسان، في البداية، أنه قادر على التحكم فيما يُقبل على مشاهدته، لكنه يفقد مع الوقت القدرة على رفع إصبعه عن الشاشة، وهو يبحث عن شيء لا يعلم ماهيته أصلاً. ربما يحاول إشباع حاجة تشكلت لديه دون أن يشعر بذلك.


لماذا يريد البعض أن يكون عدد متابعي دراساتهم النقدية أو مقالاتهم التحليلية أو رواياتهم وقصصهم القصيرة كبيراً في فضاء مفتوح، وهم يعلمون، علم اليقين، أن فعل القراءة أصلاً صعب وغير متاح لأي كان؟ وعهد القراءة قد ولّى، وعدد القراء تضاءل بشكل مهول، بغض النظر عن مجال الاهتمام. كما أن الرغبة في تطوير الذات والانفتاح على العالم تقلّصت واختُزلت فيما تعرضه وسائط التواصل من رداءة جاهزة، تضيع معها كل محاولات نفض الغبار عنها، ويخفت أمامها كل بصيص انعتاق من هيمنة مطلقة تزداد تحكماً في العقول، إن وجدت، وفي الأيدي المتكلسة على شاشات الهواتف الذكية.

فكرة غلق الحساب تراود عدداً من رواد الفيسبوك، بين الحين والآخر، لأن الفضاء بالنسبة إليهم أصبح غير جذاب، وهيمنت عليه الرداءة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، إلى جانب غيرها من المبررات التي يقدمها كل واحد من الراغبين في المغادرة، كل على طريقته وبمبرراته الخاصة. وكلهم أمل في إيجاد أفق أرحب وأكثر عقلانية، لا يُقاس حجم التفاعل فيه بالأرقام الفلكية لحركات الإعجاب والتعليقات الركيكة.
المثير في الأمر، في موقف الرغبة في المغادرة هذا، هو الإعلان جهارا عن المبادرة أو التفكير في اتخاذ القرار. وهو أمر ليس له، في ظاهره، سوى تفسير واحد: أن صاحب الفكرة ربما يخبر مرتادي الفضاء ممن يتفاعل معهم بقرار المغادرة، وهو يقول في قرارة نفسه "مكره أخاك لا بطل" ، لعل وعسى يستطيعون ثنيه عن القرار والتراجع عن الفكرة أو تأجيلها، على أمل البقاء بشروط تعايش أفضل، يُقدَّر فيها مجهوده الفكري، ويتحسن مستوى رواد الفضاء الأزرق، فتقل الرداءة، وتختفي المحتويات الخادشة للحياء أو تلك التي ليست ذات قيمة فكرية وكل ما هو مستفز له ولقناعاته.
لكننا نعلم أن هذا الفضاء هو فضاء اجتماعي وليس فضاء ثقافيا او أدبيا حتى يكون حكرا على الأدباء والمثقفين والشعراء، فبقدر ما يعجّ بالرداءة، يتفاعل فيه رواد آخرون، يحاولون، قدر إمكانياتهم، برغبة ونكران ذات، ودون انتظار جزاء أو شكور من أحد، أن يعبّروا عن أفكارهم ويقدموا تحليلاتهم لقضايا مختلفة، اجتماعية وثقافية وأدبية وعلمية. وهنا تكمن قوته كفضاء، خاصة أنه مفتوح، ولا توجد حواجز تمنع من ولوجه، ولا انتقائية في تحديد نوعية رواده، وبالتالي، لو حسبنا رياضياً عدد الرواد غير المحدود إلى عدد من يكتبون في مواضيع يرونها ذات فائدة اجتماعية، سنجد أن النسبة هي من الضآلة بما قد يخلق اليأس في نفوس الفئة الثانية. ولكن هذا لا يعني أن كل ما يُكتب في الفيسبوك من خارج دوائر أصدقائهم ومجموعاتهم لا يُكتب بالجدية التي يرونها وبمستوى التمكن الذي يعتقدون أنه المعيار، وأن كل ما دونه رديء.

لقد عايشنا، أنا شخصياً وكثيرين ممن هم من جيلي، حصاراً مطبقاً من جمعيات أدبية وثقافية و تربوية، ومن منتديات وتنظيمات من مختلف المشارب والاهتمامات، فقط لأنهم لا يعرفوننا ولا نعرفهم. منهم من يهيمن على مقهى ويتربع على كرسيه منذ سنين طويلة، ومنهم من يحكم منتدى لا يتجاوز عدد أفراده أصابع اليد، ومنهم من يسير جمعية مختزلة في مكتب، ومنهم غير ذلك ممن ينتمون إلى تنظيمات لا تتفاعل إلا مع حاملي بطاقاتها أو ينتمون لشبكة العلاقات التي ينسجونها في ما بينهم.
يحيّي بعضهم بعضاً، ويشيدون بأعمال بعضهم البعض، ويكرّمون بعضهم البعض، وييسرون اللقاءات لبعضهم البعض وينظمون حفلات التوقيع لمنتجات بعضهم البعض. لا يهمهم الانفتاح على غير من توطدت علاقاتهم بهم، بغض النظر عن منجزاتهم ومساراتهم وغزارة إنتاجهم.
وقبلها عايشنا حقبة لا فرصة فيها للكتابة لكل موهبة صاعدة أو ذات خبرة وباع، مهما حاولت. فقد ظلت صفحات بعض الجرائد والمجلات حكراً على منتسبي التنظيمات التي تموّلها، ولن يستطيع هؤلاء نشر كلمة واحدة مهما حاولوا، ومهما كانت الفكرة ثاقبة والكلام موزوناً والطرح صائبا.
مبررات البوار والرداءة ليست حكراً على الفضاء الأزرق، فقد تطفو حتى في أماكن ودوائر أخرى كثيرة قد لا يتوقعها المرء. ومع ذلك، يتمسك أصحابها بأنهم الأعلى ثقافة وإنتاجاً وذوقاً. ولعمري، هو توهم أكثر منه حقيقة، ودليل ساطع على أن لكل سلعة معجبيها ومشاهديها و مقتنيها، ولكل منتوج مناصريه والمدافعين عنه والمروجين له، ممن يصادقون عليه دون تردد، بقوة الانتماء أكثر منه بسبب الجودة الحقيقية، حتى لو لم يعجبهم في قرارة أنفسهم.