بقلم عبد الرزاق بن شريج
تقديم
كلما اقترب موعد الانتخابات، تبدأ ماكينة التوقعات في الاشتغال، استطلاعات للرأي غير المؤسسي، وقراءات لموازين القوى، وتحليلات لأداء الأحزاب، وتقديرات لنسب المشاركة، ومحاولات لاستقراء اتجاهات الناخبين انطلاقا من نتائج الاستحقاقات السابقة، وفي النهاية،
غالبا ما ينتهي الامر الى ترتيب مفترض للمتنافسين، وكأن الانتخابات معادلة يمكن حلها بمجرد جمع ما يكفي من الأرقام والمعطيات، غير ان الحالة المغربية تضع هذا التصور امام اختبار صعب، ليس لان المغرب يفتقر الى المعطيات التي يمكن تحليلها، بل لان العلاقة بين ما يمكن قياسه وما سيحدث فعلا يوم الاقتراع ليست دائما علاقة مباشرة.
ليست انتخابات وطنية بالمعنى البسيط
قد يبدو للوهلة الأولى اننا امام انتخابات وطنية واحدة، يتنافس فيها عدد من الأحزاب على أصوات الناخبين، ثم تحدد النتائج ترتيب القوى السياسية، لكن هذه الصورة تخفي وراءها واقعا اكثر تعقيدا، فالانتخابات الوطنية تتشكل في الحقيقة من مئات المنافسات المحلية التي تجري داخل بيئات اجتماعية مختلفة، وتتحكم فيها، الى جانب الانتماءات الحزبية، علاقات شخصية ومحلية وشبكات من التأثير والوساطة والتعبئة.
وهنا تكمن احدى الصعوبات الأساسية في قراءة المشهد المغربي، فالحزب يوجد باعتباره مؤسسة قانونية وتنظيمية لها برنامج وقيادة وهيكلة، لكنه لا يحضر بالدرجة نفسها في جميع الدوائر، في المقابل، يحضر المرشح باعتباره شخصا له علاقاته وامتداداته وسمعته المحلية وقدرته على التواصل والتعبئة(بكل أنواعها)، ولذلك قد تكون قوة حزب ما على المستوى الوطني اكبر من قوته في بعض الدوائر، وقد يستطيع مرشح معين تحقيق نتيجة مهمة بفضل رأسماله (الاجتماعي، والمادي، وعلاقاته المحلية، ...)، حتى عندما لا تكون صورة الحزب الذي ينتمي اليه قوية بالقدر نفسه.
الحزب موجود في القانون والمرشح موجود في الواقع
هذه المفارقة ضرورية لفهم السلوك الانتخابي المغربي، فالناخب لا يتعامل دائما مع الحزب باعتباره كيانا مجردا، بل قد يتعامل مع شخص يعرفه، او يعرف عائلته، او سبق ان تعامل معه، او يراه قادرا على الدفاع عن مصالحه أو مصالح المنطقة، وهذا لا يعني ان البرامج والمرجعيات الحزبية لا قيمة لها، وإنما يعني ان الاختيار الانتخابي قد يتشكل من مستويات متعددة، تتداخل فيها الهوية الحزبية مع الاعتبارات المحلية والعلاقات الاجتماعية والانطباعات الشخصية...
من هنا يصبح من الصعب الانتقال مباشرة من القول إن حزبا ما يتوفر على شعبية معينة الى الاستنتاج بأنه سيحصل على عدد محدد من المقاعد، فالشعبية مفهوم واسع، بينما النتيجة الانتخابية محكومة بجغرافية الأصوات وبطبيعة المنافسة في كل دائرة وبقدرة المرشحين على تحويل "التأييد" الى أصوات فعلية، وقد يحصل حزب على أصوات كثيرة موزعة بطريقة لا تمنحه بالضرورة العدد نفسه من المقاعد الذي قد يحصل عليه حزب آخر بأصوات اقل ولكنها اكثر تركيزا.
قوة الحزب لا تقاس فقط بعدد المقاعد
النتيجة الانتخابية مهمة، لكنها لا تستنفد مفهوم القوة السياسية، فالقوة داخل النظام السياسي لا تتحدد فقط بعدد المقاعد، وانما تتصل أيضا بالقدرة على التفاوض، وبالموقع داخل التحالفات، وبالعلاقات بين الأحزاب، وبالقدرة على التأثير في تشكيل الأغلبية وفي تحديد اتجاهات القرار...
وهنا تظهر المسافة بين الحقل الانتخابي والحقل السياسي، قد يكون حزب ما في موقع متقدم انتخابيا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انه سيكون صاحب الموقع الأقوى في مرحلة ما بعد الانتخابات، وقد يحصل حزب اخر على عدد اقل من المقاعد، لكنه يمتلك موقعا تفاوضيا يجعله طرفا لا يمكن تجاوزه في تشكيل الأغلبية، لذلك فان ترتيب نتائج الانتخابات لا يساوي بالضرورة ترتيب القوة السياسية.
التحالفات تبدأ بعد ظهور النتائج
الانتخابات لا تنتهي بمجرد فرز الأصوات وإعلان النتائج، في نظام تعددي، تبدأ بعد ذلك مرحلة أخرى من السياسة، وهي مرحلة بناء الأغلبية والتفاوض حول التحالفات وتوزيع المواقع وتحديد أولويات المرحلة المقبلة، ولذلك فإن من يحاول توقع مستقبل الحكومة انطلاقا من ترتيب الأحزاب قبل الانتخابات يتجاهل جزءا أساسيا من العملية السياسية.
المسألة هنا ليست تقنية فقط، فالتحالفات تعكس أيضا طبيعة النظام الحزبي وحدود التقارب والاختلاف بين الفاعلين السياسيين، وقد تكشف مرحلة ما بعد الانتخابات عن موازين قوى لم تكن ظاهرة بصورة واضحة داخل الحملة الانتخابية، لذلك يمكن أن نعرف الحزب الذي تصدر النتائج، لكننا لا نستطيع بالسهولة نفسها ان نحدد، قبل ظهور النتائج، شكل الخريطة السياسية التي ستنتج عنها، لنا في ذلك تجربة حكومة العدالة والتنمية في نسختها الثانية.
الناخب المغربي ليس كتلة واحدة
من أكثر الأخطاء شيوعا التعامل مع الناخب المغربي باعتباره كتلة سياسية متجانسة يمكن معرفة اتجاهها العام بسهولة، الواقع مختلف، هناك ناخب يصوت انطلاقا من انتماء أو قناعة حزبية، وآخر تحكمه اعتبارات محلية، وثالث يتأثر بصورة المرشح، ورابع قد يغير اختياره تبعا للسياق السياسي او الاجتماعي أو المادي الذي تجري فيه الانتخابات.
والاهم من ذلك أن هذه الاعتبارات لا تتوزع بالطريقة نفسها بين المدن والقرى، ولا بين مختلف الفئات الاجتماعية، ولا حتى بين الدوائر الانتخابية المتجاورة، ولذلك فان ما يبدو اتجاها وطنيا عاما قد يخفي وراءه مجموعة من السلوكيات الانتخابية المحلية المختلفة.
العزوف ليس فراغا سياسيا
حتى العزوف عن التصويت لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد غياب من صناديق الاقتراع، فهو في حد ذاته ظاهرة سياسية واجتماعية تستحق القراءة، قد يكون ناتجا عن اللامبالاة، او عن ضعف الثقة، او عن عدم الاقتناع بجدوى المنافسة، او عن عوامل اجتماعية ومجالية مختلفة، كما ان الذين لا يصوتون ليسوا بالضرورة كتلة سياسية واحدة، ولذلك لا يمكن افتراض أن ارتفاع المشاركة سيخدم حزبا بعينه أو أن انخفاضها سيضر بحزب آخر بصورة آلية.
بل إن السؤال الأهم هو: من الذي سيشارك عندما تكون المشاركة منخفضة؟ ومن الذي سيبقى في البيت عندما ترتفع؟ فالتغير في نسبة المشاركة لا يعني فقط زيادة عدد الأصوات، وانما قد يعني تغير تركيب الهيئة الانتخابية نفسها، وهو ما يمكن أن يعيد ترتيب النتائج دون أن تكون هناك بالضرورة تحولات ضخمة في المواقف السياسية العامة.
هل تقيس استطلاعات الرأي ما نعتقد انها تقيسه؟
رغم أن المغرب لا وجود مؤسسات تقيس استطلاع الرأي، ورغم أن اعتمادها في الدول الأخرى تبدو أداة جذابة لأنها تمنحنا أرقاما واضحة، لكنها، مهما كانت منهجيتها دقيقة، تقيس مواقف في لحظة محددة، ولا تضمن أن السلوك النهائي سيكون مطابقا لما عبر عنه المستجوب في تلك اللحظة، المسافة بين النية والتصويت الفعلي قد تتسع كلما اقترب موعد الاقتراع، خصوصا عندما تكون المشاركة نفسها غير محسومة وعندما تختلف الدوافع الانتخابية من دائرة الى أخرى.
ثم إن بعض اهم المتغيرات السياسية لا تتحول بسهولة الى ارقام، كيف نقيس قوة علاقة مرشح بشبكة اجتماعية محلية؟ كيف نقيس اثر السمعة الشخصية؟ كيف نحول القدرة على التعبئة والوساطة (بكل أنواعها) الى مؤشر احصائي؟ وكيف نعرف مسبقا حجم التحول الذي يمكن ان يحدث في الأيام الأخيرة؟
لهذا لا ينبغي التعامل مع الاستطلاع باعتباره نتيجة مسبقة للانتخابات، بل باعتباره مؤشرا من بين مؤشرات أخرى، الخطر يبدأ عندما يتحول المؤشر الى يقين، وعندما تصبح الأرقام بديلا عن التفكير في ما لا تستطيع الأرقام قياسه.
الماضي لا يكفي لمعرفة المستقبل
قد يكون من المفيد العودة الى نتائج الانتخابات السابقة، لكن المقارنة التاريخية تصبح مضللة عندما نتعامل معها باعتبارها قانونا يحدد المستقبل، فالانتخابات السابقة جرت في سياق مختلف، وكانت فيها قضايا مختلفة، ومرشحون مختلفون، وتحالفات مختلفة، ومواقف اجتماعية مختلفة، حتى الحزب نفسه لا يبقى بالضرورة الحزب ذاته من الناحية السياسية والاجتماعية بعد سنوات من المشاركة في التدبير او المعارضة.
ولهذا فإن السؤال "ماذا حدث في الانتخابات السابقة؟" مهم، لكنه لا يكفي، السؤال الأكثر أهمية هو: "ما الذي تغير منذ ذلك الحين؟" وقد يكون هذا التغير بسيطا في ظاهره، لكنه قادر على التأثير في السلوك الانتخابي داخل دائرة معينة او في اتجاهات أوسع.
السياسة ليست معادلة خطية
في الظواهر الاجتماعية، لا يؤدي السبب الواحد دائما الى النتيجة نفسها، وهذا أكثر وضوحا في السياسة، فقد يؤدي حدث معين الى تعبئة في منطقة، بينما لا تكون له النتيجة نفسها في منطقة أخرى، وقد يؤدي تراجع شعبية حزب الى خسارته في دائرة، بينما يستطيع مرشحه في دائرة أخرى الحفاظ على موقعه بفعل عوامل محلية.
هذه الطبيعة غير الخطية للسلوك السياسي تجعل الانتقال من المقدمات الى النتائج أكثر صعوبة، فالانتخابات ليست تجربة مخبرية نثبت فيها المتغيرات ونغير واحدا منها لنرى النتيجة، انها عملية اجتماعية مفتوحة، يدخل فيها عدد كبير من الفاعلين، ويتفاعلون فيما بينهم، ويغيرون سلوكهم استجابة لما يحدث من حولهم.
بل إن الفاعلين السياسيين لا يتعاملون فقط مع الواقع، وانما يتعاملون أيضا مع التوقعات حول الواقع، عندما يقال إن حزبا يتجه الى الفوز، قد يدفع ذلك منافسيه الى تكثيف التعبئة، وقد يدفع بعض أنصاره الى الاعتقاد ان الفوز مضمون، وقد يدفع ناخبين مترددين الى إعادة النظر في اختيارهم، وهكذا تصبح التوقعات نفسها جزءا من العملية التي يفترض انها تتنبأ بها.
لماذا يصعب توقع الانتخابات المقبلة؟
لأننا لا نملك متغيرا واحدا يمكن من خلاله معرفة النتيجة، ولا حتى مجموعة صغيرة من المتغيرات المستقرة التي يمكن وضعها في نموذج ثم انتظار الناتج، نحن أمام تفاعل بين النظام الانتخابي، والبنية الحزبية، والمرشحين، والسلوك الانتخابي، والمشاركة، والعوامل الاجتماعية والاقتصادية، والخصوصيات المحلية، والتحالفات المحتملة....
وفوق ذلك كله، هناك عنصر لا يمكن ضبطه مسبقا: القرار الفردي للناخب في لحظة الاقتراع، قد يكون هذا القرار نتيجة تراكم طويل من المواقف، وقد يكون مرتبطا بعامل محلي بسيط، وقد يتأثر بحدث وقع قبل أيام أو حتى ساعات من التصويت، ولذلك فان تحويل الانتخابات الى مسألة حسابية خالصة يخلق وهما بالدقة أكثر مما ينتج معرفة دقيقة.
المغرب عصي على الاختزال وليس على الفهم
ربما تكون هذه هي النقطة التي ينبغي الدفاع عنها في مواجهة الخطاب الذي يتعامل مع الانتخابات وكأنها قابلة للتنبؤ الدقيق، المغرب ليس حالة بلا منطق، وليست السياسة فيه مجموعة من الاحداث العشوائية التي لا يمكن فهمها، على العكس، هناك مؤسسات وقواعد انتخابية وبنية حزبية وتاريخ سياسي وعلاقات اجتماعية يمكن دراستها وتحليلها...
لكن فهم الظاهرة لا يعني القدرة على تحديد نتيجتها مسبقا، يمكن لعلم الاجتماع السياسي أن يفسر بعض أنماط السلوك، ويمكن للعلوم السياسية أن تحلل المؤسسات والأحزاب والانتخابات، ويمكن للبيانات أن تكشف اتجاهات مهمة، لكن كل ذلك لا يمنحنا بالضرورة القدرة على معرفة عدد المقاعد التي سيحصل عليها كل حزب قبل أن يذهب الناخبون الى صناديق الاقتراع،
وهنا تحديدا ينبغي التمييز بين التفسير والتنبؤ، الاول قد يكون قويا حتى عندما يكون الثاني ضعيفا، ويمكن للباحث أن يحدد السيناريوهات الممكنة، وأن يكشف شروط تحقق كل سيناريو، وأن يحدد عناصر القوة والضعف لدى مختلف الفاعلين، من دون أن يدعي امتلاك النتيجة مسبقا...
السؤال الحقيقي ليس: من سيفوز؟
لذلك ربما يكون السؤال الأكثر جدية قبل الانتخابات المقبلة ليس: من سيفوز؟ وانما: ما الذي يمكن أن يجعل توقعاتنا خاطئة؟
هذا السؤال يفتح بابا لتحليل أكثر عمقا، فهو يدفعنا الى البحث عن المسافة بين القوة الاجتماعية والقوة الانتخابية، وبين شعبية الحزب وحجم تمثيله البرلماني، وبين ترتيب النتائج وترتيب القوة السياسية، وبين التصويت الفعلي والنوايا المعلنة، وبين ما تقيسه الاستطلاعات وما يجري فعلا داخل الدوائر الانتخابية...
والاهم أنه يعيد الناخب الى موقعه الحقيقي باعتباره فاعلا سياسيا، لا مجرد رقما داخل عينة إحصائية، فالانتخابات في نهاية المطاف ليست مجرد عملية قياس لما هو موجود، بل لحظة يعاد فيها تشكيل موازين القوى نفسها.
لهذا، قد نملك المؤشرات، ونملك المعطيات، ونملك سوابق انتخابية يمكن تحليلها، ونستطيع بناء عدد من السيناريوهات المعقولة، لكن لا نملك النتيجة، وربما يكون الاعتراف بهذه الحدود أكثر علمية من الادعاء بمعرفة ما لم يحدث بعد، ففي السياسة، كما في العلوم الاجتماعية عموما، لا تكمن قوة التحليل في أن يدعي اليقين دائما، وانما في قدرته على تحديد ما نعرفه، وما لا نعرفه، وما يمكن ان يتغير بين الاثنين.