السؤال جوهر التعلم الحلقة الثالثة

آراء تربوية


بقلم الأستاذ عبد الرحمان زيطان

التعلم حادثة نضج تراكمي بين المعرفة والوعي والمعنى
يخطئ من يظن أن التعلم مجرد اكتساب للمعلومات، أو تراكم للمعرفة، أو اجتياز لمراحل تعليمية؛ فالتعلم الحقيقي، في جوهره الفلسفي والتربوي،

هو حادثة نضج تراكمي، ورحلة ارتدادية بين ثلاثة أركان: المعرفة التي نبني عليها، والوعي الذي يعيد بناءها من جديد، والمعنى الذي يمنحها روحا وغاية. فالمعرفة، تلك المادة الخام التي نتلقاها من محيطنا، تظل نصوصا جامدة، وأرقاما باردة، ما لم تمر بمرآة التأويل، والتأويل لا يحدث إلا حين يُطرح السؤال: ماذا يعني هذا؟ ولماذا قيل هذا؟ وكيف يرتبط هذا بما أعرفه وما أجهل؟ وهنا يبدأ النضج الأول، حيث ننتقل من التلقي السلبي إلى الفهم النشط. ثم نرتقي إلى مرحلة الوعي، حيث لا نكتفي بفهم الموضوعات، وإنما نبدأ في فهم أنفسنا ونحن نفهم، فيصير المتعلم واعيا بحدود أدواته المعرفية، ومنحنيات ذائقته، وأعماق تحيزاته، فيبدأ في مساءلة أفكاره كما يسائل الموضوعات، ويصير ناقدا لذاته قبل أن يكون ناقدا للآخرين. وهذه المرحلة هي الأكثر حساسية، لأنها تحدد ما إذا كان المتعلم سيظل أسيرا لقناعاته الأولى، أم سيصبح قادرا على تجاوزها نحو آفاق أرحب. وفي النهاية، يبلغ مرحلة المعنى الذاتي، حيث يبدأ في بناء منظومته القيمية والفكرية انطلاقا من داخله، لا من فرض خارجي، فيختار معتقداته، ويبني مواقفه، ويقرر مصيره، لا لأنه قيل له، وإنما لأنه فهم واستوعب واستبطن، وليس لأنه أُمر، وإنما لأنه اقتنع، وليس لأنه خاف، وإنما لأنه أحب واطمأن. وهذه المراحل الثلاث لا تتعاقب في خط مستقيم، وإنما تتفاعل في ارتدادية حوارية تجعل السؤال هو عقدة التفاعل وقاطرة النضج؛ فالمعرفة حين تواجه السؤال تمنحنا وقودا للدهشة، وهذه الدهشة تُنتج وعيا جديدا يرتد على المعرفة ذاتها فيُعيد بناءها وترتيب أولوياتها، وهذا الوعي المكتسب المتنامي يجعله أكثر قدرة على التذوق العميق للمعنى، وهذا المعنى المتجلي المتحقق في الذات يجعله أكثر جرأة على نفض غبار المعرفة القديمة وطرح سؤال جديد يبعث الحياة في كل شيء. وهكذا، يصير التعلم حادثة نضج تراكمي لا تراكما للكم المعرفي، وإنما تكثيفا لقدرة الذات على إعادة إنتاج علاقتها بذاتها وبالمعرفة في كل لحظة، وهذا لا يتحقق إلا حين يصير السؤال هو البوصلة التي تقيس التقدم، بحيث لا يكون التقدم في عدد الإجابات التي نقتنيها أو نتقنها أو نخزنها في ذاكرتنا البعيدة، وإنما في جودة الأسئلة التي نجرؤ على طرحها، وفي قدرتنا على تحويل التعلم من استقبال سلبي للمعلومات إلى إنتاج دائم للمعنى