السؤال جوهر التعلم الحلقة الثانية

آراء تربوية


بقلم الأستاذ عبد الرحمان زيطان

بعد الحلقة الأولى التي كانت بمثابة وضعية انطلاق، سأقارب هذا الموضوع"السؤال جوهر التعلم" من خلال عشر حلقات متواصلة تعالج السؤال كجوهر للتعلم بدءا بتوضيح معنى التعلم باعتباره حادثة نضج تراكمي عبر سلم متدرج، ثم الحاجة والسؤال والتعلم والعلاقة الارتدادية المتجددة، ثم كيف ينمو السؤال والتعلم في حاضنة الأسرة والمدرسة، وانتهاء بالذكاء الاصطناعي وحاجات الجيل الجديد إلى التربية على السؤال من اجل التربية على الحياة.


أرجو أن تكون هذه الحلقات مفيدة تلبي حاجات معينة لدى الأصدقاء الأعزاء والمتابعين الأفاضل المهتمين بشؤون فلسفة التربية وفلسفة التعلم.
مقدمة:
في البدء كانت الدهشة، وقبل أن تكون المدرسة حجرات وفصولا، والمناهج نصوصا ومضامين معرفية ومقاربات بيداغوجية، والذكاء الاصطناعي بيانات وخوارزميات، كان السؤال هو البصمة الأولى للوعي الإنساني، والنبض الذي يحرك التعلم، والجسر الذي يصل بين النقص والامتلاء، وبين الظلمة والنور. فالإنسان لا يُولد عالما أو حتى عارفا او مكتفيا، لكنه يُولد سائلا، متعجبا، منفتحا على العالم بكل حواسه وحاجاته، وهذه الفطرة السليمة هي التي تجعل من التعلم حادثة نضج تراكمي، لا مجرد اكتساب للمعلومات، وإنما تكثيفا لقدرة الذات على إعادة إنتاج علاقتها بذاتها النامية وبالمعرفة والوجود في كل لحظة. غير أن السؤال، في عمقه الفلسفي والتربوي، ليس أداة معرفية باردة، وإنما هو أيضا حدث وجودي يعلن عن حضور الذات، ويستجيب لحاجة إنسانية متجددة، حيث تتفاعل الحاجة والسؤال والتعلم في حلقة ارتدادية لا تنتهي، يولد فيها كل عنصر الآخر ويعاد إنتاجه، في صعود حلزوني نحو المعرفة والوعي والمعنى. وهذا المسار لا يبدأ من المدرسة، وإنما من الأسرة التي تحتضن الدهشة الأولى وترعى الحاجة الفطرية، ثم تمتد إلى المدرسة التي تحول السؤال إلى منهج ليتعلم المتعلم كيف يتعلم، ثم تواجه تحديات عصر الذكاء الاصطناعي الذي يقدم بحرا من الأجوبة، ويجعل من السؤال سفينة النجاة الوحيدة. وفي هذا السياق، يبرز جيل جديد يعيش بين حاجات مصطنعة تفرضها الخوارزميات، وحاجات مضمرة تظل كامنة في أعماق النفس، ليكون السؤال المحرر هو المنقذ الوحيد من عبودية الاستهلاك المعرفي، والمدخل لبناء وعي نقدي يصون الكرامة الإنسانية. ولا تتوقف هذه الرحلة عند حدود الذات الفردية، وإنما تمتد لتشمل الأمة بأسرها، فتصير الأسئلة الفردية أسئلة وطنية، والحاجات الشخصية حاجات جمعية، والتعلم الفردي تعلما جماعيا، والنضج الشخصي نضجا حضاريا، وتتحقق النهضة حين تتحول الأسئلة المقلقة إلى طاقة ارتدادية تدفع الأمة نحو التصحيح والتنمية، وتجعل من الحضارة نفسها رحلة تعلم لا تنتهي، وحاجة لا تشبع، وسؤالا لا يهدأ.