السؤال جوهر التعلم : الحلقة الاولى

آراء تربوية


بقلم الأستاذ عبد الرحمان زيطان
وضعية الانطلاق:
إذا كنت مدرساً وتريد أن تقيّم أداءك ذاتياً، فاسأل نفسك بعد كل حصة دراسية: كم تقدّر المساحة الزمنية التي سمحت فيها لطرطقات الأسئلة أن تكسر صمت الأجوبة وهي تنبعث من قبورها المعتمة، وصناديقها المصنوعة،

ونصوصها المنغلقة؟ كم عدد الأسئلة التي سمحتَ لجماعة التعلم بطرحها عليك، أو على نفسها، أو على النصوص، أو على الأجوبة التي أنتَ منشغل أيما انشغال بتقديمها ونقلها وغرسها في عقول هؤلاء الأطفال الصغار؟ وكم عدد الأجوبة التي قدمتها في الحصة الدراسية نفسها دون أن يسألك عنها أو بشأنها أحد؟ فإذا كانت مساحة السؤال التي تسمح بها، والتي تسمح بها المقاربة البيداغوجية التي تعتمدها لتصريف المنهاج الدراسي، واسعةً تغطي أزيد من ثلث الغلاف الزمني المخصص للحصة الدراسية على الأقل، فاعلم أنكَ دخلتَ دائرة المدرسين النشطين الأحياء، واتخذت من جنان التربية الحديثة سكنا ومسارا. أما إذا كانت المساحة أقل من ذلك، فأنت كمدرس، والمقاربة التي تعتمد، والمنهاج الدراسي الذي تقدمه، لم تدخلوا دائرة التربية الحديثة بعد، وما زلتم تسكنون قبور الأجوبة المطلقة، وما أنتم، بذلك، سوى حفّاري قبور حضارية تغرق الوظيفية في مقبرة المعرفة الصامتة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. لأن الأجوبة التي تنقلونها أو تعيدون إنتاجها لا تبني حضارة، أو حتى تحافظ عليها، وإنما تدخلها في سبات عميق وتاريخ طويل من عمى العقل، وتحلّل المعنى في محلول "الجهل الناعم"، وتروي الماضي "المقدس". الحضارة يبنيها السؤال، والسؤال شغف ودهشة وارتطام الذهن بنفسه وبما حوله، والسؤال هو مفتاح باب التفكير النقدي الملهم في سور الأجوبة العظيم، والتفكير النقدي هو أول حروف أبجدية الابتكار والإبداع والإصلاح والتغيير في النفس كما في الحياة.
المغزى من هذا القول هو: لا فائدة في درس تحيا فيه الأجوبة لنفسها، وتقتل فيه الأسئلة لوظيفتها، لا فائدة في درس يعيد إنتاج الأجوبة، ولا تُلقى في أرضه بذور السؤال والتساؤل. الأجوبة الصامتة تنتج معرفة صامتة، والمعرفة الصامتة حمل ثقيل، بينما السؤال نبض الحياة وقلب الوجود وذرع صلب في معركة النماء والتطور والتجاوز. ومن يأتيك يحمل أجوبة تطرحها الذاكرة ثمرة جافة خالصة، فحيّه بالسؤال ينشرح به صدره، لعله يرى ذاته ويزنها بمقياس العقل اليقظ فيراك وتراه. ومن ثم فالمدرسة الوظيفية الممكنة في سياقها وإمكانها التاريخي في ضوء منظومة العلق في بعديها الوطني والكوني، والتي لا تعرف مكوناتها الستة الثبات في ذاتها ولا في علاقتها ببعضها البعض(الاقتصادي، الثقافي، الاجتماعي، السياسي، العلمي، الرقمي)، هي التي ترفع الشعار: "لا تعطيني الأجوبة التامة المنتهية المطلقة، ولكن علمني كيف أسأل، ثم أطلق لساني وأعطني حريتي لأمارس حقي في السؤال، ودعني أنزل بمطرقة سؤالي على كل جواب قادم من الماضي، أو قائم في الحال، أو حتى قادم من المستقبل، فأنا في آخر المطاف أريد أن أتعلم كيف أتعلم. لأن كل أجوبتنا الإنسانية هشة، تنمو ذاتها في مزرعة النسبية، وفي مجرى الزمان وحقول المكان. من صفاتها النسخ والتجاوز، تخضع للنفي ثم نفي النفي، ومع كل فجر مطل في الزمان والمكان تولد أجوبة جديدة، وتبقى شمس السؤال مشرقة قائمة متجددة، ما دام الإنسان نفسه قائما في هذا الزمان والمكان، في التاريخ والجغرافيا، وعقله شغوف حائر متيقظ يحفر في أسوار الجهل والثبات ويتنفس أفقه.